صديق الحسيني القنوجي البخاري
302
فتح البيان في مقاصد القرآن
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز ، والمعنى أن اليهود والمشركين لعنهم اللّه أشد جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ذلك . وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أي أن النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين وصفهم بلين العريكة وسهولة قبولهم الحق ، قيل مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال أو بأنواع المكر والكيد والحيل ، ومذهب النصارى خلاف اليهود فإن الإيذاء في مذهبهم حرام ، فحصل الفرق بينهما . وقيل : إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا وطلب الرياسة ، ومن كان كذلك كان شديد العداوة للغير ، وفي النصارى من هو معرض عن الدنيا ولذاتها وترك طلب الرياسة ، ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحدا ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب الحق والأول أولى . وقال مجاهد : هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله وفي لفظ إلا حدث نفسه بقتله » رواه أبو الشيخ قال ابن كثير وهو غريب جدا . وعن عطاء قال : ما ذكر اللّه به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه ، وعنه قال : هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين فذلك لهم ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ذلِكَ أي كونهم أقرب مودة بِأَنَّ الباء للسببية مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ جمع قس وقسيس قاله قطرب ، والقسيس العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء وطلبه وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها ، والقس النميمة والقس أيضا رئيس النصارى في الدين والعلم وجمعه قسوس أيضا ، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير ، ويقال في جمع قسيس تكسيرا قساوسة ، والأصل قساسة فالمراد بالقسيسين في الآية المتبعون للعلماء والعباد وهو إما عجمي خلطته العرب بكلامها أو عربي . وَرُهْباناً جمع راهب كركبان وراكب ، والفعل رهب اللّه يرهبه أي خافه والرهبانية والترهب التعبد في الصوامع ، قال أبو عبيد : وقد يكون رهبان للواحد والجمع قال الفراء ويجمع رهبان إذا كان للمفرد رهابين كقربان وقرابين ، ثم وصفهم اللّه بعدم الاستكبار عن قول الحق فقال : وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ بل هم متواضعون بخلاف اليهود فإنهم على ضد ذلك . وقيل : ولم يرد به كل النصارى فإن معظم النصارى في عداوة المسلمين كاليهود